سوهاج 24

المقالات المحفوظة

لا توجد مقالات محفوظة بعد.

الطفل الذي لم يكبر بداخلنا

سبتمبر 07, 2026

الطفل الذي لم يكبر بداخلنا

بقلم: مريم عماد رمزي

• مقدمة ومفهوم الطفل الداخلي

يكبر الإنسان، تتغير ملامحه، تتسع مسؤولياته، ويتعلم كيف يواجه الحياة بعقل أكثر نضجًا. ومع ذلك، قد يظل في داخله طفل لا يغادر تمامًا؛ طفل يخاف الرفض، يبحث عن الأمان، ويتأثر بكلمات تبدو للكبار عابرة، لكنها تلمس شيئًا قديمًا في داخله.

من هنا ظهر مفهوم «الطفل الداخلي»، الذي يُستخدم للتعبير عن أثر تجارب الطفولة في نظرتنا إلى أنفسنا وعلاقاتنا ومشاعرنا. وليس المقصود به شخصية منفصلة عنا تعيش داخل الإنسان، ولا تفسيرًا يصلح لكل ما نمر به، وإنما طريقة لفهم بعض الآثار التي قد تمتد من سنواتنا الأولى إلى حياتنا الحالية.

فالطفولة ليست مجرد مرحلة تنتهي بانتهاء سنواتها؛ ما نتعلمه خلالها عن الحب، والأمان، والقبول، والخطأ، وقيمتنا أمام الآخرين، قد يرافقنا إلى مراحل لاحقة.

• أثر تجارب الطفولة والذاكرة

طفل نشأ وسط المقارنات قد يصبح بالغًا يطارد الكمال باستمرار، ومن لم يجد مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره قد يجد صعوبة في الاعتراف بألمه، بينما قد يحمل من ارتبط لديه الخطأ بالعقاب خوفًا دائمًا من الفشل.

لكن أثر الطفولة لا يحمل الألم وحده.

ففي داخلنا أيضًا ذكريات الفرح ؛ لذلك قد تعيد إلينا أغنية قديمة، أو رائحة مألوفة، شعورًا لا نستطيع تفسيره. وكأن الذاكرة لا تستعيد حدثًا فقط، بل تستعيد جزءًا من الشخص الذي كنا عليه.

• الغربة عن النفس وبداية الابتعاد

وربما يصبح الأمر أكثر تعقيدًا حين نكبر ونبتعد عن ذلك الجزء من أنفسنا.

فقد يبدو الإنسان من الخارج منشغلًا بحياته؛ يعمل، وينجز، ويكوّن علاقاته، لكنه يشعر في داخله بأنه لا يعرف نفسه كما كان من قبل.

قد لا يعرف ما الذي يريده فعلًا، أو لماذا لم تعد الأشياء التي كانت تمنحه السعادة تفعل ذلك، أو لماذا يعيش وفق توقعات الآخرين أكثر مما يعيش وفق احتياجاته هو.

هذه الغربة عن النفس لا تحدث دائمًا دفعة واحدة. أحيانًا تبدأ عندما نتعلم مبكرًا أن إرضاء الآخرين أكثر أمانًا من التعبير عن أنفسنا، وأن إخفاء الحزن أفضل من إظهاره، وأن القوة تعني ألا نحتاج إلى أحد.

ومع الوقت، قد يصبح الإنسان بارعًا في أداء الدور الذي ينتظره منه الجميع، إلى درجة أنه ينسى السؤال الأهم:

ماذا أريد أنا؟

• فهم الذات وطرح الأسئلة

هنا يمكن لفكرة «الطفل الداخلي» أن تصبح وسيلة للفهم، لا شماعة نعلّق عليها كل مشكلاتنا.

فليس كل ما نعيشه اليوم نتيجة مباشرة لطفولتنا، والإنسان أكثر تعقيدًا من أن تفسره تجربة واحدة. لكن الماضي قد يساعدنا أحيانًا على فهم ردود أفعال تبدو لنا مبالغًا فيها أو غير مفهومة.

• لماذا يؤلمنا الرفض بشدة؟

• لماذا نحتاج إلى طمأنة مستمرة؟

• لماذا نخشى الفشل حتى عندما نعرف أنه جزء طبيعي من الحياة؟

• ولماذا نشعر أحيانًا بأننا غرباء عن أنفسنا رغم أننا نعيش الحياة التي سعينا إليها؟

قد لا تكون الإجابة دائمًا في الطفولة، لكنها قد تكون نقطة تستحق التأمل.

• طريق النضج والتصالح مع الذات

والتصالح مع الطفل الذي كنا عليه لا يعني التعامل مع أنفسنا باعتبارنا ضحايا دائمين له. بل يعني أن نفهم ما حدث، ونميز بين ما نحتاج إلى الاحتفاظ به وما نحتاج إلى تجاوزه.

فبعض ما تركته الطفولة فينا يحتاج إلى الشفاء، وبعضه يحتاج إلى إعادة النظر، وبعضه الآخر يستحق أن يبقى؛ كالقدرة على الدهشة ، والفرح بالأشياء الصغيرة.

النضج لا يعني أن نقتل ذلك الطفل كي نصبح بالغين، كما لا يعني أن نتركه يقود حياتنا.

بل أن نصبح نحن من يقوده.

أن نمنحه المساحة حين يحتاج إلى الأمان، وأن نضع له الحدود حين يبالغ في الخوف، وأن نخبره بأن قيمتنا لم تعد متوقفة على تصفيق الآخرين أو قبولهم.

• الرحمة بالذات والسلام الداخلي

وربما تكون إحدى علامات النضج الحقيقي أن نستطيع النظر إلى أنفسنا اليوم، بكل ما نحمله من آثار قديمة، دون قسوة أو إنكار.

فنحن لسنا أطفال الأمس، لكننا أيضًا لسنا منفصلين عنهم.

نحن امتداد لتلك السنوات، لكننا نملك الآن فرصة لم تكن متاحة لنا حين كنا صغارًا: أن نفهم، ونختار، ونبني علاقة أكثر رحمة مع أنفسنا.

وربما لا يحتاج الطفل الذي بداخلنا إلى أن نعيده إلى الماضي.

ربما يحتاج فقط إلى أن نلتفت إليه أخيرًا، ونقول:

«كبرنا… لكن هذه المرة، لن نتركك وحدك.»
رأيك في الموضوع:
مشاركة الموضوع:

هناك تعليق واحد:

  1. مقال جميل من دكتوره جميله قلبا وقالبا ❤️‍🩹❤️‍🩹

    ردحذف